محمد بن جرير الطبري

552

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الفساق ، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من اظهار الفسق بين أظهركم . فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له خالد الدريوش ، فدعا جيرانه وأهل بيته وأهل محلته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فأجابوه إلى ذلك ، وشد على من يليه من الفساق والشطار ، فمنعهم مما كانوا يصنعون ، فامتنعوا عليه ، وأرادوا قتاله ، فقاتلهم فهزمهم وأخذ بعضهم ، فضربهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان ، الا انه كان لا يرى أن يغير على السلطان شيئا ، ثم قام من بعده رجل من أهل الحربية ، يقال له سهل بن سلامه الأنصاري من أهل خراسان ، يكنى أبا حاتم ، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والعمل بكتاب الله جل وعز وسنه نبيه صلى الله عليه وسلم ، وعلق مصحفا في عنقه ، ثم بدا بجيرانه وأهل محلته ، فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه ، ثم دعا الناس جميعا إلى ذلك ، الشريف منهم والوضيع ، بني هاشم ومن دونهم ، وجعل له ديوانا يثبت فيه اسم من أتاه منهم ، فبايعه على ذلك ، وقتال من خالفه وخالف ما دعا اليه كائنا من كان ، فأتاه خلق كثير ، فبايعوا . ثم إنه طاف ببغداد وأسواقها وارباضها وطرقها ، ومنع كل من يخفر ويجبى المارة والمختلفة ، وقال : لا خفاره في الاسلام - والخفارة انه كان يأتي الرجل بعض أصحاب البساتين فيقول : بستانك في خفرى ، ادفع عنه من اراده بسوء ، ولي في عنقك كل شهر كذا وكذا درهما ، فيعطيه ذلك شائيا وآبيا - فقوى على ذلك الا ان الدريوش خالفه ، وقال : انا لا أعيب على السلطان شيئا ولا اغيره ، ولا أقاتله ، ولا آمره بشيء ولا أنهاه وقال سهل بن سلامه : لكني أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنا من كان ، سلطانا أو غيره ، والحق قائم في الناس أجمعين ، فمن بايعني على هذا قبلته ، ومن خالفني قاتلته فقام في ذلك سهل يوم الخميس لأربع خلون من شهر رمضان سنه احدى ومائتين في مسجد طاهر بن الحسين ، الذي كان بناه في الحربية